ترويض البيبي جيرل : فرض القرار
كانت كلمات ليلى تخرج متقطعة، محملة بوجع سنين من الإهمال العاطفي. في حضن عمر، الذي كان يضمها بقوة، شعرت بشجاعة لم تختبرها من قبل. “لقد جهزوا لحفل عيد ميلادي يا أمي! أرجوكِ!” كررتها، وعيناها تتوسلان عبر الهاتف.
لكن صوت والدتها جاء هذه المرة أكثر حزماً، خالياً من أي ليونة: “قلت لكِ لا يا ليلى! لا نقاش في هذا الأمر. عودي للمنزل بعد العمل مباشرة.”
انقبض قلب ليلى و شعرت بالدماء تغلي في عروقها فانفجرت في وجه والدتها، بكلمات لم تتخيل يوماً أنها ستقولها:
“لماذا؟! لماذا يكفي أنكم لم تذكروني كالعادة! هل يصعب عليكم رؤيتي فرحة؟! لماذا؟!“
صمتٌ طويل ساد على الطرف الآخر من الخط. لم تعتد والدتها هذه النبرة من ليلى، ابنتها الهادئة، المطيعة، التي لا ترفع صوتها أبداً.
ثم جاء صوت والدتها حزيناً، بالكاد يُسمع: “لا طبعاً يا ليلى، نريدك فرحة. ولكننا نخاف عليكِ.“
كلمات “نخاف عليكِ” كانت القشة التي قصمت ظهر البعير بمرارة لم تختبرها من قبل، وبصوت اهتز فيه الألم والغضب، أجابت ليلى: “من ماذا تخافون؟! من الفرح؟! من عيد ميلاد لم أشعر بلذته من قبل؟!“
كانت هذه الصرخة بمثابة زلزال صغير هزّ أركان علاقتها بوالديها في حضن عمر، شعرت ليلى بأنها قد حررت جزءاً كبيراً من نفسها. نظرت إلى عمر، وعيناها تلمعان بالدموع والغضب، لكنها أيضاً حملت شكراً عميقاً له لقد منحها الشجاعة لتقول ما لم تتجرأ على قوله طوال حياتها.
ثم ربت عمر على ظهرها بحنان بالغ، وضمها أقوى إلى حضنه فكان يعلم أن هذه اللحظة، بكل ألمها، هي نقطة تحول لليلى و لم يقل شيئاً، فقط تركها تُفرغ ما بداخلها، مُقدماً لها الأمان الذي لم يجد والداها وسيلة لتقديمه.
وعندما رأى عمر دموع ليلى تنهمر، وسمع صوتها المرتعش وهو يرتفع بالغضب والألم، عانقها بقوة أكبر وشعر بحزنها العميق، وفهم أن كلمات والديها كانت قاسية، وأن صرختها لم تكن مجرد رد فعل لحظي، بل انفجار لسنوات من الكبت.
في تلك اللحظة، قرر عمر أن خطته الأصلية لم تعد كافية. ليلى تستحق أكثر من مجرد احتفال بسيط فهي تستحق يوماً يُنسيها كل ألم الماضي.
رفع عمر رأس ليلى بلطف من صدره، ومسح دموعها بإبهامه فنظرت إليه بعينين حمراوين، مليئتين بالأسف على انفجارها لكنه ابتسم بحنان، ثم همس بصوتٍ دافئٍ ومُطمئن:
“لا بأس يا صغيرتي كل هذا سيصبح ماضي عيد ميلادكِ هذا العام سيكون مختلفاً، صدقيني.”
ثم اتصل بأصدقاء ليلى المقربين، وأصدقائه المقربين، ودعاهم إلى حفل عيد ميلاد “مفاجئ” على متن يخت فخم. اهتم بأدق التفاصيل:
الزينة، الطعام، الموسيقى، حتى الهدايا التي تُناسب “البيبي جيرل” المدللة.
حتى جاء المساء أخذ عمر ليلى بسيارته الفاخرة، وهي لا تعلم إلى أين هم ذاهبان عندما وصلا إلى الميناء ورأت اليخت الفخم المزخرف بالونات وأضواء خافتة، اتسعت عيناها بذهول صعدا إلى اليخت، وهناك كان أصدقاؤها وأصدقاء عمر يهتفون “مفاجأة! عيد ميلاد سعيد يا ليلى!”
لم تستطع ليلى أن تُصدق عينيها الفرحة غمرتها، مزيج من السعادة والامتنان فركضت لتعانق أصدقائها، وضحكاتها الرنانة ملأت الأجواء طوال اليوم، كانت ليلى نجمة الحفل.
كما أنها رقصت، ضحكت، وتلقت الهدايا، وشعرت بأنها محبوبة ومحتفى بها بطريقة لم تختبرها من قبل وكان عمر يراقبها من بعيد، سعادته تنبع من رؤية البهجة تملأ عينيها، وهو يعلم أن كل هذا من صُنع يديه.


