أحجار على رقعة الشطرنج : زهراء والسر الذي هزّ حوران

أحجار على رقعة الشطرنج : الفصل السادس عشر

أحجار على رقعة الشطرنج : تساؤلات في العمق

ترددت نور للحظة، ثم استسلمت لأمره. اقتربت منه، ويديها ترتعشان وهي تبدأ بفرك جسده وهو مسترخي في حوض الاستحمام المليئ بالماء الساخن والزيوت العطرية  . تساقطت دموعها بصمت على بلاط الحمام، مزيجًا من الذل والألم والحب المدفون الذي لم تستطع التخلص منه.

أحجار على رقعة الشطرنج : تساؤلات في العمق

استمرت في فرك جسده وشعره، ثم عندما انتهت، أحضرت منشفة وبدأت بتجفيف جسده دون أن ترفع عينيها إليه. كان هو يراقبها، يرى دموعها المتساقطة، بينما كانت نور تجفف جسده، كان وليد غارقًا في أفكاره. في قرارة نفسه، بدأ يتساءل: “لماذا لم تكن كذلك في السابق؟ لماذا كانت مثل الراقصات بشكلها؟ لما لم تشعر بالخجل من قبل؟ لماذا لم تكن مرهفة الإحساس هكذا؟” كانت هذه الأسئلة تدور في ذهنه مرارًا وتكرارًا، فقد كانت هذه المرة الأولى التي يراها بهذا الضعف والشفافية.

لقد اعتاد عليها قوية ومستعدة لكل شيء، لكن هذه الدموع والهدوء كانا شيئًا جديدًا عليه. قرر أنه يريد معرفة كل شيء عنها، كل ما كانت تخفيه خلف قناع القوة والمكياج الصارخ.

أنهت نور تجفيف جسده، وقالت بصوت هادئ: “ملابسك على السرير، هل أحضرها إلى هنا؟”

“لا،” أجاب وليد، “اذهبي وجهزي لي كأس عصير.”

“أمرك سيدي،” ردت نور، وخرجت من الحمام.

توجهت إلى المطبخ وبدأت في إعداد العصير الطازج الذي يفضله، واضعةً فيه قليلًا من العسل. عادت إلى الصالة لتجده يجلس هناك، يرتدي بوكسر أسود فقط.

قدمت نور كأس العصير إلى وليد، الذي أخذه منها وهو يرمقها بنظرات متفحصة. كانت عيناه تتجولان على ملامحها الطبيعية، تبحثان عن شيء ما، عن إجابة لتلك التساؤلات التي دارت في رأسه في الحمام. شرب العصير ببطء، ولم يرفع عينيه عنها للحظة، بينما كانت نور تحاول الحفاظ على رباطة جأشها، رغم أن قلبها كان يدق بعنف تحت نظراته الثاقبة.

“جاريتي، ارقصي لي.” قال وليد بنبرة هادئة، لكنها تحمل في طياتها أمرًا لا يقبل النقاش. “لكن اذهبي وارتدي بدلة الرقص الموجودة في خزانة ملابسي.”

شحبت نور. كانت هذه المرة الأولى التي يطلب فيها هذا الطلب تحديدًا، وقد أدركت ما يعنيه. “أرجوك يا سيدي،” توسلت نور بصوت خافت، “سأبقى خادمتك وجاريتك، لكن لا أريد أن تحصل أي علاقة بيننا.”

رمقها وليد بنظرة باردة، ثم قال ببرود قاتل: “إما أن ترقصي لي… أو تنامي معي في سريري.”

تجمعت الدموع في عيني نور، لكنها ابتلعت غصتها وأجابت بصوت خافت بالكاد يُسمع: “كما تريد.” ذهبت على الفور إلى غرفة النوم، وارتدت بدلة الرقص الموجودة في خزانة وليد. كانت البدلة كاشفة ومثيرة، وتشعرك بالعار. عادت إلى الصالة حيث كان يجلس، قلبها يرتجف خوفًا وذلاً.

بدأت نور ترقص، تتحرك بجسدها على إيقاع خفي لا يسمعه إلا قلبها المكلوم. لم تكن رقصة إغراء، بل كانت رقصة يأس وذل. كانت دموعها تتساقط بصمت على بشرتها، تبلل صدرها العاري، وتلمع في ضوء الغرفة الخافت.

استغرب وليد. لم تكن هذه هي نور التي يعرفها. فليست هذه المرة الأولى التي ترقص له؛ لطالما كانت تغويه وتتدلل عليه. صحيح أنه لم يكن هناك علاقة كاملة بينهما، لكن علاقاتهما كانت لا تخلو من اللمسات والقبل والمداعبة. وكانت ترتدي الملابس الفاضحة برغبتها، وتأتي إلى منزله طواعية. ماذا حدث؟ ما الذي غيرها بهذا الشكل؟ كانت هذه الأسئلة تدور في رأسه بينما يراقبها، يرى دموعها المتساقطة، ويشعر بشيء غريب يتسلل إلى قلبه.

حاول وليد إذلالها مجددًا، مذكّرًا إياها بأن هذا ليس بجديد عليها. “لم يعجبني رقصكِ يا جاريتي،” قال ببرود، “تراجع أداؤكِ.”

نظرت إليه نور بنظرة خيبة وانكسار، مزيج من الألم الذي فاق قدرتها على التحمل. لم يكن بإمكانها إخفاء حجم الصدمة التي تلقتها من كلماته اللاذعة.

شعر وليد بتأنيب الضمير مرة أخرى وهذه النظرة كانت أقوى من أي محاولة سابقة للإغراء أو التحدي. تنهد وقال، محاولاً التخفيف من حدة الموقف: “اذهبي وارتدي ملابسكِ. انتهى عملكِ اليوم.”

دخلت نور إلى الغرفة وارتدت ملابسها بسرعة. خرجت لتجد النقود على الطاولة، فنظر إليها وليد وقال ببرود: “هذه لكِ.”

لكن نور لم تلمس النقود. نظرت إليها نظرة أخيرة لم يعتادها منها، ثم غادرت الشقة مسرعة، لتغلق الباب خلفها بقوة. بقي وليد وحده، لكن فكرة نور، ودموعها، وبرودها المفاجئ لم تفارقه. بداخله، كان هناك شيء يدعوه لمعرفة المزيد.

قرر وليد على الفور أن يرسل شخصًا لجمع كل المعلومات عنها. يريد معرفة ماضيها، حياتها، وكل تفاصيلها. كما أصدر تعليماته بمراقبتها عن كثب، ففضوله قد استفزه لدرجة لم يتوقعها.