خاضعة ولكن : رياح الغيرة تهبّ
يتملّك الغضب من القاسم، ولا يستطيع كبح غيرته الجامحة. فالمتحدث ليس سوى عمار، ابن عم والدته، وعدوه اللدود الذي تتجدد العداوة بينهما في كل فرصة.
لا شكّ أن عمار قد شاهد تيا برفقته في مكان ما، ووجد في هذا الموقف فرصة ذهبية لإغاظته وإشعال نيران الغيرة في صدره.
تجيبه تيا عمار بأدب و لكن حزم صوتها كان واضحاً: “أعتذر منك سيد عمار، ولكن أحب شخص آخر.”
يبتسم القاسم ابتسامة خفيفة، لكنها لا تخفي الغضب الذي يغلي في داخله. جميلته، ملكه الخاص، تجلس أمام ذلك الوغد الذي يتجرأ على التقرب منها. يستأذن عمار منصرفاً،
وفي داخله يتأجج غضب دفين فهو لا يكنّ لتيا مشاعر حقيقية، بل كل ما في الأمر أنه أراد تلقين القاسم درساً قاسياً باستغلالها، وتيا كانت مجرد وسيلة لتحقيق غايته الخبيثة.
فور أن أنهى عمار حديثه اوابتعد، انفجر صوت القاسم في أذن تيا عبر المكبر، بنبرة حادة لم تعهدها من قبل: “ماذا كان هذا الوغد يفعل هناك؟ ولماذا تحدث معكِ؟”
شعرت تيا بقلبها ينقبض، لكنها حاولت الحفاظ على هدوئها وأجابت بصوت خافت: “لا أعلم سيدي، لقد جاء فجأة وتحدث معي كما سمعت.”
هنا، تلاشت حدة صوت القاسم قليلاً، فهو يعلم أن عمار، بمكره وخباثته، قادر على مفاجأة أي شخص. قال القاسم متسائلاً، لكن بنبرة أقل اتهاماً:
“هل حدث هذا من قبل يا صغيرتي؟ هل تحدث معكِ عمار من قبل دون علمي؟”
تيا، التي لم تتعود الكذب، اعترفت بتهدج: “لا سيدي، هذه أول مرة. أنا متفاجئة مثلك.”
اشتعل الغضب في القاسم مجدداً، ولكن هذه المرة كان غضبه موجهًا نحو عمار اللدود، لا نحو تيا. فصوت عمار ما زال يتردد في أذنيه، وكلماته عن الإعجاب والخطبة كادت تفقده صوابه.
“صغيرتي هل كان يبدي إعجابه بك من قبل ؟
قالت تيا : لقد حاول مرة أن يتقرب مني ولكن صددته ومن بعدها لم يقترب مني
قال القاسم : ولماذا لم تخبريني من قبل ؟ ألستِ ملكي؟ ألم أطلب منكِ ألا تخفي عني شيئًا؟”
تيا، التي كانت تشعر بالخوف ممزوجًا بشعور غريب بالخضوع لهذا الغضب الذي بدا عليها جذابًا بطريقته، قالت بصوت يكاد يكون همسًا: “أعتذر سيدي، لم أظن أن الأمر مهم.”
“ليس مهمًا؟” صرخ القاسم، وكأن الهاتف سيهتز بين يديه، “أيعجبكِ أن يتغزل بكِ رجل آخر أمامي؟ أيعجبكِ أن يطلب يدكِ أمام مسمعي؟”
ساد صمتٌ ثقيل للحظات، لم تتجرأ تيا على النطق بكلمة. أدركت حينها أن القاسم يمتلكها حقاً، ليس فقط جسدها، بل حتى مشاعرها وأنفاسها. ثم جاء صوته أكثر هدوءًا،
ولكنه حمل نبرة خطيرة: “سأعاقبك يا صغيرتي. عندما نلتقي، ستعرفين عقابك .
“شعرت تيا بالخوف، لكنها لم تستطع إنكار الشرارة الخفية التي أوقدها هذا التهديد في أعماقها.أجابت بصوت يكاد يكون مسموعًا: “أمرك سيدي.”
“ممتاز،” قال القاسم، وقد عادت نبرته الهادئة التي تخفي وراءها عاصفة كامنة. “أنهي عملكِ بسرعة، وأنا في انتظاركِ.” أغلق الخط دون انتظار ردّها، تاركًا تيا في دوامة من المشاعر
المتضاربة الخوف، الخجل، والإثارة، كلها امتزجت في قلبها وهي تتخيل العقاب الذي ينتظرها.
مرّت الدقائق التالية كأنها ساعات على تيا. بالكاد استطاعت التركيز على الملفات المتبقية، فكلمات القاسم الأخيرة تتردد في أذنيها، وتهديده الغامض يثير قلقها وحماسها في آن واحد.
حاولت إقناع نفسها بأنها أخطأت بعدم إبلاغه فوراً بما فعله عمار من قبل ولكن علاقتهم تطورت بسرعه ، لكنها لم تستطع كبح فضولها حول طبيعة “العقاب” الذي تحدث عنه.
في الجهة الأخرى، كان القاسم يغلي غضباً. مجرد فكرة أن عمار، عدوه اللدود ، قد تجرأ على الاقتراب من تيا، أملاكه الخاصة، كانت تفقده صوابه. لم يستطع الجلوس ساكناً،
فنهض من مكتبه العملاق، وبدأ يتمشى ذهاباً وإياباً، يده تمسك هاتفه بقوة. كان يخطط في ذهنه لردٍ قاسٍ لعمار، لكن الأهم الآن هو تيا.
كيف يتأكد من أنها لن تكون هدفاً سهلاً لأمثال عمار؟ كيف يثبت ملكيته لها بطريقة لا تدع مجالاً للشك؟
عند الساعة الثانية عشرة تماماً، ركنت سيارة القاسم الفارهة أمام مدخل الشركة. لم يتصل بتيا، بل نزل من السيارة، واضعاً نظاراته الشمسية، وتوجه بخطوات واثقة نحو الباب.
كان حضوره المهيب يلفت الأنظار، وملامحه الصارمة تثير الفضول. دخل بهو الشركة الفخم، وتقدم نحو مكتب الاستقبال.
في هذه الأثناء، كانت تيا تلملم أوراقها الأخيرة، وقلبها يخفق بسرعة مع كل دقيقة تمرّ. فجأة، رنّ هاتفها. لم يكن القاسم. كانت رسالة نصية قصيرة من رقم غير معروف: “انظري خلفكِ.”
تجمدت تيا في مكانها للحظة، ثم استدارت ببطء. كان القاسم يقف على بُعد خطوات منها، يحدّق فيها بعينين تشتعلان ببريق غامض. لم يقل كلمة، فقط أشار برأسه نحو الباب.
شعرت تيا بكهرباء تسري في جسدها. هذا ليس “العقاب” الذي تخيلته، إنه شيء أكبر، أكثر إثارة.
خرجت تيا من المكتب، وعيناها مثبتتان على القاسم، الذي لم يرفع بصره عنها لحظة واحدة. سار نحوها بخطوات بطيئة، كل خطوة تزيد من توترها وحماسها.
عندما وصل إليها، لم يتحدث، بل أمسك بيدها ، وقادها نحو المصعد الخاص بهدوء تام داخل المصعد، ساد صمت مطبق. كان القاسم يقف خلفها مباشرة، تشعر بأنفاسه الدافئة على رقبتها.
لمس شعرها بأناملة ، ثم همس بصوت عميق أرسل قشعريرة في كل خلية من خلاياها:
“هل استمتعتِ بحديث عمار يا صغيرتي؟” لم يكن السؤال يحمل أي طلب للإجابة، بل كان إشارة إلى ما ينتظرها.
فتح باب المصعد مباشرة على مكتب القاسم الفاخر. كان مكتباً واسعاً، تتوسطه طاولة اجتماع ضخمة من الخشب الداكن، وخلفها نافذة زجاجية تمتد من الأرض حتى السقف، تطل على
بانوراما المدينة المزدحمة. لكن تيا لم تلاحظ أي من هذا. كل ما شعرت به هو قبضته التي تشتد على يدها، وحرارة جسده التي تلفّها.
قادها القاسم إلى الجهة المقابلة من المكتب، حيث كانت توجد أريكة جلدية فاخرة. أشار إليها بيده، فأطاعت تيا وجلست، بينما ظل هو واقفاً أمامها، حاجزاً عنها الرؤية بظله الطويل.
كانت عيناه تلمعان ببريق لم تفهمه، مزيج من الغضب والسيطرة والرغبة.
“يبدو أنكِ بحاجة لتذكير بسيط بحدودك يا صغيرتي،” قال القاسم بصوت خفيض، يكاد يكون وشوشة، لكنه حمل ثقلاً عظيماً. “يبدو أنكِ نسيتِ من تكونين، ولمن تنتمين.”
بدأ قلب تيا بالخفقان ، وبدأت أطرافها ترتعش. كانت تستشعر القادم، وتلك الإثارة الممزوجة بالخوف كانت تسيطر على كل حواسها. لم تجب، بل خفضت رأسها، تنتظر حكم سيدها.
مدّ القاسم يده، ورفع ذقن تيا بلطف، أجبرها على النظر إليه. لم تكن هناك ابتسامة على شفتيه، بل تعبير جاد، عيناه تدرسان تعابير وجهها. “أخبريني يا تيا،
ما هو عقاب من يتجاهل أوامر سيده؟”
فكرت تيا للحظة، ثم قالت بصوت بالكاد مسموع: “أعتذر سيدي ولكن علاقتنا تطورت بسرعة ولم يخطر لي أن أخبرك فالموضوع حدث منذ زمن طويل .”
هزّ القاسم رأسه ببطء، “صحيح. ولكن يا صغيرتي، عندما يتعلق الأمر بأملاكي.” اقترب منها خطوة، فانكمشت تيا قليلاً على الأريكة. “أريدكِ أن تفهمي جيداً أن أي رجل يتجرأ
على الاقتراب منكِ، أو حتى النظر إليكِ بنظرة لا تعجبني، سيعلم أنكِ لستِ ملكه، بل ملكي أنا وحدي.”
ثم انحنى عليها، حتى أصبح وجهه على بعد بوصات قليلة من وجهها. شعرت تيا بأنفاسه الساخنة تلامس بشرتها. “واليوم، ستتعلمين درساً لن تنسيه أبداً يا خاضعتي.
درساً في كيف يُعاقب من يتجرأ على إغضاب سيده.”
رفع القاسم يده ببطء، ومدّها نحو الشال الذي كانت تيا قد أعادته حول عنقها. لم يمزقه، بل نزعه برفق، تاركاً إياه يسقط على الأرض، ثم رفع عينيه ليقابل عينيها، وهما تشتعلان برغبة دفينة.
لم يمهلها القاسم فرصة للتفكير أو الردّ.
انقضّ على شفتيها بقبلة مفاجئة وعنيفة، لم تكن مجرد قبلة عاطفية، بل كانت قبلة ملكية، تحمل في طياتها غضبه وسيطرته ورغبته في إثبات ملكيته.
كان يمتصّ شفتيها بقوة، وكأنّه يريد أن يمحو أثر كل كلمة قالها عمار. شعرت تيا بدوار خفيف، وبحركة مفاجئة، جذبتها يده الأخرى لتقترب أكثر، لتلتصق بجسده بقوة.
كادت أن تتنفس بصعوبة، لكنها لم تبدِ أي مقاومة. بل على العكس، استسلمت لهذه القوة الجارفة، وشعرت أن كل خلية في جسدها تستجيب لسيطرة القاسم. بدأت القبلة تتأجج، أصبحت أكثر
حرارة وشغفاً، تحولت إلى معركة حسية، حيث يسيطر القاسم وتخضع تيا، لكنها خضوعاً مليئاً بالرغبة المتبادلة.
مرّت الدقائق وكأنها دهر، قبل أن يرفع القاسم رأسه عنها ببطء، تاركاً شفتيها متورمتين وحمراوتين. كانت تيا تلهث، عيناها مغلقتان، تشعر وكأنها عادت للتو من رحلة بعيدة.
ابتسامة خافتة، لكنها ذات مغزى، رسمت على شفتي القاسم. مرر إبهامه على شفتيها، ثم همس بصوت أجشّ، ولكنه مليء بالرضا: “أتمنى أن تكون هذه الرسالة قد وصلت بوضوح يا صغيرتي.
الآن، أي رجل آخر يجرؤ على الاقتراب منكِ، سيعلم ما الذي ينتظره حكماً ولكن حتى أنت ستعلمي مالذي سينتظرك.”
كانت تيا ما زالت تحت تأثير القبلة، بالكاد تستطيع أن تتنفس. لكنها أدركت أن هذه القبلة لم تكن مجرد تعبير عن الرغبة، بل كانت تحذيراً، ودرساً قاسياً في الملكية المطلقة. رفعت عينيها لتلتقي
بعينيه، وأومأت برأسها ببطء، في إشارة إلى أنها استوعبت الدرس جيداً.
نهض القاسم من مكانه، ومدّ يده لتساعدها على الوقوف. “هيا يا صغيرتي، لنخرج. لكن تذكري دائماً، أن لكل فعل عواقب، وأن ملكيتي لكِ ليست مجرد كلمات.”
سارت تيا إلى جانبه، تشعر بأن كل خطوة تخطوها تحمل ثقلاً جديداً، ثقل الخضوع المطلق، ودفء الملكية التي كانت تتسلل إلى أعماق روحها.


