أحجار على رقعة الشطرنج : زهراء والسر الذي هزّ حوران

أحجار على رقعة الشطرنج : الفصل الثالث

أحجار على رقعة الشطرنج : اللقاء المصيري في دمشق

في شوارع دمشق الضيقة، بينما كانت زهراء تسير بخطوات متثاقلة تحمل حقيبتها البالية، شاهدت فجأة طفلة صغيرة تركض خلف قطة شاردة باتجاه شارع مزدحم. بسرعة البرق، اندفعت زهراء وأمسكت بيد تاليا قبل أن تعبر الشارع، في اللحظة التي كانت سيارة مسرعة تقترب منها.

“يا للهول! ألا تنظرين أين تذهبين؟” صاحت زهراء بقلق وهي تحتضن الطفلة المرتعبة.

تاليا نظرت إليها بعينين دامعتين: “لكن قطتي…!”

في تلك اللحظة، اقتربت منهما سيدة أنيقة بخطوات سريعة. “تاليا! كم مرة قلت لكِ ألا تبتعدي عني!” ثم التفتت إلى زهراء: “شكراً لك .. لتشرح في معالمها فهي تشبه صديقتها الراحلة  لتقول لها أنت من حوران ، أليس كذلك؟”

زهراء ارتبكت عند سماع السؤال المباشر. “نعم… كيف عرفتي؟”

الجدة حنان ابتسمت بذكاء: “لهجتك لا تخفي شيئاً. هل تسمحين أن نكافئك بفنجان قهوة؟ أنا مدينة لك بحياة حفيدتي.”

في مقهى قريب، بينما كانت تاليا تلعب بقطتها التي عادت إليها، بدأت حنان تدرس ملامح زهراء عن قرب.

حنان  ماذا تفعلين هنا ؟ أين عائلتك ؟

زهراء بدأت ترتجف، عيناها تفيضان بالدموع. “أنا… أبحث عن عمل.”

حنان أمسكت يدها بقوة: “استمعي إليّ، أنا بحاجة لمربية لتاليا. سأوفر لكِ غرفة ومصروفاً، ويمكنكِ متابعة دراستك. ما رأيك؟”

لتوافق زهراء على الفور فلولا هذا العرض كانت ستقضي يومها في  الشارع وشكوك حنان تزداد في داخلها لتقرر البحث في الموضوع

في تلك الليلة، بينما كانت زهراء تحاول النوم في غرفتها الجديدة، اتصلت حنان بخادمتها القديمة في حوران. “سميرة، أخبريني عن حال القرية ما الأخبار ؟ .

الصوت في الهاتف : “آه يا سيدتي… الفتاة المسكينة زهراء تعرضت لفضيحة كبيرة. يقولون إنها… إنها حامل فقد تعرضت لاغتصاب من حوالي شهر !”

حنان كادت تسحق الهاتف بيدها. “من فعل هذا بها؟”

“لا أحد يعرف، لكن صديقتها نور هي من نشرت الخبر في القرية كلها. والآن أبو محمد يريد قتلها، والجد أبو خالد أصيب بنوبة قلبية من الحزن! ولكنه لا يزال يبحث عنها ”

بعد المكالمة، جلست حنان تفكر ملياً. في الصباح، وجدت زهراء جالسة في الحديقة الداخلية، تمسك بيدها صورة قديمة لجدها.

لتقترب منها حنان وترى الصورة فتسألها بجهل مصطنع من هذا ؟

لتقول زهراء إنه جدي وعائلتي كلها إنه الحصن المنيع الذي كنت أستند عليه .

لترد حنان : أين هو الآن ؟

لتقول زهراء في قريتنا …. لم استطع أن أودعه

لترد حنان بلهفة لماذا ؟ ما الذي حصل ؟

زهراء انفجرت في البكاء: “لقد اغتصبوني، فأخفيت الأمر خوفاً من الفضيحة لأكتشف بعد مرور شهر أنني حامل و وعندما طلبت المساعدة من صديقتي ، فضحتني أمام الجميع! حتى أبي… أبي اتهمني بالعار!” فاضطررت للهرب ولكن أقسم أنه لاذنب لي

حنان احتضنتها بقوة بينما كانت تنتفض من شدة البكاء. “اسمعيني جيداً يا ابنتي، أنتِ هنا في أمان والحقيقة ستظهر مع الوقت .

في تلك اللحظة، دخلت تاليا حاملةً لعبتها المفضلة وقدمتها لزهراء: “خذي هذا… إنه يجعلني أشعر بالتحسن عندما أحزن.”

زهراء نظرت إلى الطفلة الصغيرة ثم إلى حنان، وفي عينيها شرارة أمل للمرة الأولى منذ هروبها. ربما، فقط ربما، وجدت أخيراً العائلة التي تستحقها.

ربتت حنان على كتف زهراء بحنان وقالت: “سأذهب لإجراء مكالمة ضرورية. اعتبري هذا منزلكِ.” ثم تركتها تجلس في الحديقة، والأسئلة تتزاحم في ذهنها حول كيفية حماية هذه الفتاة وكشف الحقيقة

المرة التي دمرت حياتها.

رفعت حنان سماعة الهاتف ببطء، قلبها يخفق بتردد. كانت تتمنى لو أن هذه المكالمة لم تكن ضرورية، لكن ضميرها كان يؤنبها. على الطرف الآخر، أجاب صوت أبو خالد الحزين : “نعم؟حنان ؟ هل هناك ما يقلق؟”

تنهدت حنان قبل أن تتحدث، تحاول ترتيب كلماتها: “أبو خالد… أردت أن أخبرك بشيء… زهراء هنا، معي في المنزل.”

ساد صمتٌ للحظات على الخط، شعرت به حنان وكأنه دهر. ثم جاء صوت أبو خالد مدهوشًا: “زهراء؟ كيف وصلت إليكِ؟ ما الذي يجري؟”

أغلقت حنان عينيها للحظة، ثم بدأت تحكي: “لقد التقيت بها اليوم بالصدفة يا أبو خالد. كانت تسير في الشارع… وشبهتها بصديقتي الراحلة أم خالد  رحمها الله، فهي تشبهها بشكل لا يصدق. عندما سألتها

عن عائلتها، بدا عليها الارتباك واضحًا، وكأنها تخفي شيئًا. لم أرد أن أضغط عليها، لكن الشك تغلغل إلى قلبي.”

توقفت حنان للحظة، ثم أكملت: “عندما ذكرت أنها تبحث عن عمل، رأيت أنها فرصة… فرصة ربما لفهم ما يجري، وربما لمساعدتها. نحن بحاجة إلى مربية لتاليا ابنة أدم ورأيت أن وجودها هنا قد يكون

خيرًا لنا جميعًا.”

وعندما عدنا للمنزل اتصلت مع خادمة لنا وعندما قصت لي الأخبار وما حصل مع زهراء قررت أن أخبرك لتطمئن عليها

سمعت حنان تنهيدة طويلة من الطرف الآخر، وكأن أبو خالد يستوعب ببطء ثقل كلماتها. “رحم الله آدم… ورحمكِ أنتِ يا حنان على هذا القلب الطيب.

أجابت حنان بصوت خفيض: الآن هي بأمان هنا، وسأحاول أن أفهم ما الذي حدث. .” ولكن يجب أن نبقي أمر وجود زهراء هنا سراً لحمايتها من والدها ولنعرف كل التفاصيل .

جاء صوت أبو خالد مهمومًا: حسناً لنتكل على الله … شكرا ً يا حنان.”

عادت حنان إلى الحديقة الداخلية، حيث كانت زهراء لا تزال جاثمة، عيناها مثبتتين على الصورة الباهتة في يدها. اقتربت حنان وجلست بجانبها على المقعد، صمتٌ ودي يخيم على المكان لدقائق.

أخيرًا، كسرت حنان الصمت بنبرة هادئة: “زهراء… لماذا لم تطلبي مساعدة جدك؟ يبدو شخصًا طيبًا”

رفعت زهراء عينيها المثقلتين بالدموع إلى حنان، وبصوت خافت مملوء بالوجع قالت: “كان أبي سيقتلني. لم أفكر سوى في الهرب… وحماية جدي. لو ذهبت إلى بيته، لكنت سببت له مشاكل لا حصر

لها. أبي… أبي سيلقي عليه اللوم بكل تأكيد.”

تنهدت حنان بحزن عميق، متفهمة خوف الفتاة اليائسة. “ولكن… ألم تحاولي الاتصال به؟ إخباره بما حدث؟”

هزت زهراء رأسها ببطء. “لا… لم أستطع. كنت خائفة جدًاولم يكن هناك الوقت الكافي . لكن…” توقفت للحظة، ونظرت إلى حنان بنظرة تحمل بعض الراحة، “لقد كتبت له كل شيء. الحقيقة كاملة في

رسالة… وضعتها تحت وسادتي قبل أن أهرب فجدي هو الوحيد الذي يدخل غرفتي…  آمل أن يجدها.”

شعرت حنان بوخزة في قلبها. يا له من موقف مؤلم! فتاة شابة تجد نفسها وحيدة في مواجهة قسوة العالم، ولا تجد ملجأ سوى الهرب .

ربتت حنان على كتف زهراء برفق. “إنه يحبكِ كثيرًا يا زهراء. لا شك أنه قلق عليكِ بشدة.”

أومأت زهراء برأسها بصمت، وعيناها تعودان إلى التحديق في صورة جدها، وكأنها تستمد منها بعض القوة في محنتها.

في تلك اللحظة، أدركت حنان عمق الرابطة التي تجمع بينهما، وعزمت في داخلهاعلى فعل كل ما بوسعها لحماية هذه الفتاة المكسورة وإظهار الحقيقة التي تحملها رسالتها المخفية.

بينما كانت حنان تتحدث مع زهراء ، دخل زوجها، اللواء المتقاعد علي، إلى الحديقة. توقف للحظة عند رؤيته لزهراء. جمالها الرقيق وشبهها اللافت بأم خالد صديقة زوجته الراحلة والتي لا تزال تذكرها بحرقة ز

همّ عليّ بالتكلم ، لكن نظرة حنان  وعينيها المشيرتين إلى الصمت، جعلتاه يتوقف . اقتربت حنان وابتسمت لزوجها: “علي، هذه زهراء. إنها مربية تاليا الجديدة، وهي أيضًا طالبة طب سنساعدها في نقل

أوراقها إلى جامعة دمشق.”

تبادل عليّ وزهراء نظرات سريعة وكلمات ترحيب مقتضبة. ثم دخلت الخادمة لتعلن أن الغداء جاهز. جلسوا جميعًا حول المائدة الكبيرة، التي ترأسها عليّ بهيبته المعهودة. تناولوا الطعام بصمت، وكل

منهم غارق في أفكاره. كانت زهراء تطعم تاليا الصغيرة بانتباه، وشعور غريب بالألفة يربط بينهما. تاليا فقدت والديها في حادث مؤلم، وزهراء لم تنعم قط بحنان أبوي حقيقي، وكأن والديها لم يكونا

موجودين في حياتها.

بعد انتهاء الغداء، نظر عليّ إلى زهراء بود وقال: “يا ابنتي، أحضري لي وثائقك الجامعية، وسأتكفل بنقل أوراقك إلى جامعة دمشق.”

شعرت زهراء بامتنان عميق تجاه هذا الرجل الوقور الذي يشبه جدها في طيبته. شكرته بكلمات صادقة، وأخذت تاليا الصغيرة بيدها وصعدت إلى الأعلى.

طلبت حنان من الخادمة أن تحضر الشاي لها ولزوجها. جلسا في الحديقة الهادئة، حيث قصت حنان على عليّ القصة كاملة، بكل تفاصيلها المؤلمة.

صُدم عليّ بشدة عندما علم بالاعتداء الشنيع الذي تعرضت له زهراء، وأنها تحمل في أحشائها جنينًا لا تعرف من هو والده. ارتسمت على وجهه ملامح الغضب والحزن العميق. صمت للحظات، ثم نظر إلى حنان بعينين تحملان تصميمًا: “لن نترك هذه الفتاة وحيدة يا حنان. سنحميها، وسنساعدها على استعادة حقها وكرامتها.”

الفصل الرابع : رسالة تحت الوسادة تكشف المستور